ابن كثير
12
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
من أموركم وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ أي على عباده ، وإن كان ذلك بعد الحلف والأيمان المغلظة حَكِيمٌ فيما يشرعه ويأمر به وفيما ينهى عنه ، وقد وردت الأحاديث بمقتضى العمل بهذه الآية وذكر سبب نزولها وفيمن نزلت فيه من الصحابة . فقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا يزيد ، أخبرنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار رضي اللّه عنه : أهكذا أنزلت يا رسول اللّه ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم ؟ » فقالوا : يا رسول اللّه لا تلمه فإنه رجل غيور ، واللّه ما تزوج امرأة قط إلا بكرا ، وما طلق امرأة له قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته . فقال سعد : واللّه يا رسول اللّه إني لأعلم أنها حق وأنها من اللّه ، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء ، فو اللّه لا آتي بهم حتى يقضي حاجته . - قال : فما لبثوا إلا يسيرا - حتى جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم ، فجاء من أرضه عشاء ، فوجد عند أهله رجلا ، فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهيجه حتى أصبح ، فغدا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه إني جئت على أهلي عشاء فوجدت عندها رجلا ، فرأيت بعيني وسمعت بأذني ، فكره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه ، واجتمعت عليه الأنصار وقالوا : قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة الآن ، يضرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هلال بن أمية ويبطل شهادته في الناس ، فقال هلال : واللّه إني لأرجو أن يجعل اللّه لي منها مخرجا . وقال هلال يا رسول اللّه فإني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به ، واللّه يعلم إني لصادق . فو اللّه إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذ أنزل اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم الوحي ، وكان إذا أنزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد وجهه ، يعني فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي . فنزلت : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ الآية ، فسري عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال « أبشر يا هلال فقد جعل اللّه لك فرجا ومخرجا » فقال هلال : قد كنت أرجو ذلك من ربي عز وجل ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أرسلوا إليها » فأرسلوا إليها فجاءت ، فتلاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليهما ، فذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا ، فقال هلال : واللّه يا رسول اللّه لقد صدقت عليها ، فقالت : كذب . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لاعنوا بينهما » فقيل لهلال : اشهد ، فشهد أربع شهادات باللّه إنه لمن الصادقين ، فلما كانت الخامسة قيل له : يا هلال اتق اللّه ، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب
--> ( 1 ) المسند 1 / 238 ، 239 .